اسماعيل بن محمد القونوي

359

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( يغفر هم النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه ) يغفر هم النفس أي ميلها إلى الهوى ميلا اختياريا لا طبعيا لما مر من أنه لا يدخل تحت التكليف قيل هذا ناظر إلى كونه من كلام يوسف فحينئذ يكون المعنى يغفر هم النفس إن كان ذنبا أوعد عليه السّلام ذلك الهم ذنبا هضما لنفسه كما قيل فيما مر والأولى أن يراد بالهم ما ذكرنا ويجوز أن يكون إشارة إلى هم راعيل فإنه قصد اختياري كأنه عليه السّلام لوح إلى حالها أو حال نفسه فقال إن ربي غفور يغفرهم راعيل المعصية رحيم يرحم من يشاء بالعصمة كما رحمني بالتوفيق والعصمة ولا يتوهم التكرار مع قوله أو يغفر المستغفر فإن هذا القول ناظر إلى كونه من مقول راعيل فإنها اعتبرت في المغفرة الاستغفار والاعتراف بذنبه وأما يوسف عليه السّلام فلا يعتبر الاستغفار في مغفرة الذنب لا سيما في الهم كما هو القاعدة فيما عدا الشرك وشتان ما بين الاعتبارين كما لا مناسبة بين القائلين . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 54 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قوله : ( اجعله خالصا لنفسي ) أي باب الاستفعال للتعدية لا للطلب وإنما قال حينئذ استخلصه دون الطلب الأول فإنه عليه السّلام لما فعل ما فعل وظهرت أمانته وصدقه وتأنيه وحسن همته وجودة فكره وعدم مسارعته بأول طلب ضاعف محبته واشتد شوقه فازداد في طلبه فقال ائيتوني أستخلصه وأما في الأول فباعث الطلب تعبير رؤياه فلا يزيد في طلبه شيئا . قوله : ( فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء ) فلما أتوا به أي فيه حذف ايجاز والدها بالموجودة الرأي . قوله : ( ذو مكانة ومنزلة ) أي مكين من المكانة وصيغة فعيل وهو مكين للنسبة كلابن وتأمر وبيان حاصل المعنى إذ معناه متصف بالمكانة وحاصله ما ذكره وتقييده قوله : يغفر هم النفس أي همها الصادر عنها بمقتضى الجبلة البشرية لا عن قصد وعزم فإن دفع ذلك ليس داخلا تحت قدرة البشر فعلى هذا لا يكون الغفران في مقابلة الذنب ولذا عطف عليه المذنب بكلمة أو بقوله أو يغفر المستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه أي ما دام استغفره واسترحمه أي وقت استغفاره واسترحامه أقول في اشتراط الاستغفار والاسترحام للمغفرة والرحمة فوحة من مذهب الاعتزال فإن مذهب أهل السنة أن اللّه تعالى يغفر لمن يشاء من المؤمنين وإن لم يستغفر فلعل المص رحمه اللّه أخذ هذا الاشتراط من عبارة صاحب الكشاف القائل بذلك المذهب فسر قوله : إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ يوسف : 53 ] موافقا على مذهبه وكم من إشارات خفية إلى مذهب الاعتزال في كتاب الكشاف قلما يتفطن إليها فحول العلماء . قوله : أي فلما أتوا به فكلمه يريد أن الفاء في فكلمه فاء فصيحة تنبئ وتفصح عن محذوف هو فلما أتوا به ولا بد من هذا التقدير لأن التكليم إياه لا يكون إلا بالإتيان به والدهاء الذكاء والكياسة .